محمد أبو زهرة
417
المعجزة الكبرى القرآن
وعلى هذا لا يجوز لأحد يبنى على ما روى عن أبي حنيفة جواز ترجمة القرآن إلى لغة من اللغات على أن يكون المترجم قرآنا ، ومهما يكن ، فإن الرأي الذي ينسب إلى أبي حنيفة قد رجع عنه ، وهو خارج عن رأى الفقهاء أجمعين ، فلم يسوغ أحد قراءة معاني الفاتحة بالفارسية أو غيرهما ، بل أجازوا الدعاء لمن لا يعرف العربية ولم يجد من يأتم به ليغنيه عن القراءة . وتكرر القول بأنه رجع عنه ، وقلنا أنه الذي يتفق مع السياق التاريخي ، إذ إن أبا حنيفة عاش سبعين سنة ابتدأت سنة 80 وانتهت سنة 150 والمعقول أنه رأى الألسنة الفارسية لم تقوم ، فسوغ لهم من قبيل الرخصة الدينية فقط أن يقرءوا المعاني لسورة الفاتحة على أنها دعاء تقوم ألسنتهم ، فلما رأى الألسنة قومت ولانت واستقامت ، وخشي البدعة ، إذ يجد المبتدعة السبيل لبدعتهم ، فرجع عن رأيه ، ولا يصح الاعتماد على رأى رجع عنه صاحبه . 261 - ولو تركنا فتوى أبي حنيفة ، وقد علمنا من الفتوى أنه لم يعتبر ترجمة القرآن قرآنا لها قدسية القرآن يجب أن نتجه إلى موضوع الترجمة في ذاته ، ولكي نقرر الحق فيه يجب أن نجيب عن هذه الأسئلة الثلاثة : السؤال الأول : أيمكن ترجمة القرآن . السؤال الثاني : أتسوغ الترجمة على أن الترجمة قرآن أو ليست بقرآن . السؤال الثالث : ما السبيل لتعريف غير المسلمين بالقرآن ، واطلاعهم على معانيه . وإنا نجيب عن هذه الأسئلة جملة : إن ترجمة القرآن غير ممكنة ، وقد تصدى لذلك العلماء الأقدمون ، فقرر ابن قتيبة وغيره من العلماء أن كل كلام بليغ لا يمكن ترجمته ببلاغته من لغة إلى أخرى ؛ ذلك أن الكلام البليغ له معنيان مجتمعان ، أحدهما أصلى ، وهو المقصد الذي انبنى عليه الكلام وما سبق له من قصة أو حكم أو عظة . والثاني بلاغى ، وهو إشارات الكلام ومجازاته ، وما يثيره من صور بيانية ، وما يحيط به من أطياف ، كالتي تحيط بالصور الحسية ، وبهذا كله تعلو الرتب البلاغية ، ويسمو البيان . وبتطبيق هذه القاعدة على القرآن الكريم وهو في درجة من البلاغة لا ينهد إليها أي كلام إنساني قط ، فإن ترجمته مستحيلة على أن يكون قرآنا فيه كل خواصه البلاغية . ولذلك قال العلماء الأقدمون بالإجماع أنه لا يمكن ترجمة القرآن بمعانيه الأصلية ، والمعاني البيانية اللاحقة لها ، فما فيه من أوامر ونواه وأخبار وقصص يمكن